علي بن أحمد المهائمي
489
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
عن الثلاثة الذين هم أبو بكر ، وعلي ، والعباس ، فلا الخلافة بعدي لأحد غير هؤلاء الثلاثة ، ( ولا عينه ) ، فلم يقل : هو علي ، ولا هو أبو بكر ، ولا هو العباس ، مع أنه من أهم المهمات ، حتى أنه تركوا دفنه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل تعينه ، ولو نصّ على أحدهم لكانوا على اقتدائه أحرص سيما في ذلك الوقت لما ( علم أن في أمته من يأخذ الخلافة عن ربه ) ، ولو نص لكان خليفة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم فقط ، فتركه واقتصر على ما علم من الإجماع النازل منزلة النص الإلهي عليه ، ( فيكون ) من حيث عدم تنصيص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على خلافته ( خليفة عن اللّه ) تعالى ( مع ) حصول المقصود بالخلافة عن رسول اللّه من ( الموافقة في الحكم المشروع ) ، فيصير كداود عليه السّلام من حيث تنصيص الإجماع ، ويصير كعيسى عليه السّلام في الجمع بين الخلافتين فيما لها من فضيلة على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لو نص على أحد لم يكن لغيره الأخذ بها أصلا في وقته ولا بعده ، مع أن هذا لو أخذها في وقت خلافة ذاك بدلا عنه أو بعده في الخلافة الظاهرة أو معه في الخلافة الباطنة لكان له ذلك ؛ لأن لكل واحد منهما قوة الأخذ من اللّه تعالى . ( فلما علم صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ) « 1 » أي : قوة الأخذ عن ( اللّه ) لجماعة من أمته ( لم يحجز الأمر ) بالتنصيص على البعض عن الباقين ، وإذا كان كذلك ، ( فلله خلفاء من خلقه ) ؛ لاحتياج أهل كل عصر إلى خليفة يقوم بأمور دينهم ودنياهم ، بل له خلفاء في الباطن يجتمعون في زمن واحد بلا مضايقة بينهم ولا منازعة منهم ، يخاف أن تقتضي إلى فساد في الأمة ، بل العالم يزداد ضياء بهم ( يأخذون ) علومهم وأحكامهم ( من معدن الرسول ) محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن معدن سائر الرسل عليهم السّلام إما على سبيل الاجتماع أو على سبيل البدل أو البعض دون البعض ، ومن هنا يقال : فلان على قلب محمد ، وفلان على قلب آدم أو إبراهيم أو موسى أو عيسى - عليهم السّلام . ( ما أخذته الرسل - عليهم السّلام ) ، إذ لو كان خلافة ، فلا يأمنون فيه من تلبيس الشيطان أو ابتلاء الرحمن ، ولا يرون في ذلك فضل أنفسهم ، ولا تسويتها مع أولئك الأنبياء - عليهم السّلام ، بل ( يعرفون فضل المتقدم هناك ) وهو الرسول ، إذ لا يمكن للولي الأخذ من ذلك المعدن قبل أخذ الرسول منه ، بل بتعينه ، وإلا أخذ الزائد على الرسول ، فلا يأمن من فيه من الوسوسة والابتلاء بخلاف الرسول ؛ ( لأن الرسول قابل للزيادة ) بالنسبة إلى رسول آخر فضلا عن الولي ، ( وهذا الخليفة ليس بقابل للزيادة ) على مأخوذ الرسول ، وإن كانت هذه الزيادة هي ( التي لو كان ) المكاشف بها هو ( الرسول قبلها ) لأمنه من الوسوسة والابتلاء في أخذ العلوم عن اللّه تعالى ، وإن كان كثيرا لا يبتلى في غير هذا الموضع بأخذها
--> ( 1 ) في نسخة : « فلمّا علم ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » .